· د. مؤمن مأمون ديرانية  · 9 دقائق قراءة

حكاية سيرة ذاتية

خروجاً من ملل السِيَر الذاتية، أحكي هذه الحكاية..

خروجاً من ملل السِيَر الذاتية، أحكي هذه الحكاية..

والحديث الرئيسي في هذه السطور عن المسيرة المهنية، وما هو خارج هذه المسيرة مررت به مروراً عابراً لاستكمال قصتي وحسب، وسيكون له في مقام آخر حديث أطول.


في بيتنا الصغير في عمان، في جبل اللويبدة، على مقربة من دوار الحاووز، قبل أن يتفرنج ويسمى دوار باريس، أبصرت النور في التاسع من حزيران عام 1956، على يد القابلة الفاضلة هدى الزاغة التي ولّدت نصف أهل عمان في ذلك الزمان. وغير بعيد من دمشق التي تنحدر منها عائلتنا ولنا فيها أهل وأحبة ولم ننقطع عنها.

وعلى مقاعد الكلية العلمية الإسلامية في جبل عمان، المدرسة الأعرق في عمان في تلك الأيام، أمسكت بالقرطاس والقلم، وتلقيت العلم على يد نخبة من معلمي الدنيا في تلك الأيام، من صف الروضة وحتى نهاية الثانوية. وخرجت منها بأصدقاء خلّص لم أنقطع عنهم بعدها.

وبناء على رغبة أبي وأمي، رحم الله أبي وحفظ الله أمي، بدأت مشوار الطب في ربوع الجامعة الأردنية، على يد أساتذة الطب في بلدنا، وأمضيت مع رفاق أعزاء أياماً جميلة في كلية الطب، وانتخبت رئيساً لجمعية العلوم الطبية (اتحاد طلبة الطب في الجامعة في تلك الأيام) عام 81/1982. وشارك قلمي في تحرير مجلة النور، مجلة طلاب الطب التي كانت تصدرها جمعية العلوم الطبية (1980 – 1983).

ثم صرت أبا عبيدة (وعبيدة رضي الله عنه اليوم طبيب استشاري قلب الأطفال في مستشفى الحرس الوطني بالرياض).

وبعد التخرج بدأت مشوار الجراحة مع نخبة من جراحي الأردن في المستشفى الإسلامي. وفيه شاركت في تحرير مجلة الشفاء، وأسست وأدرت قسم التصوير الطبي في المستشفى (1984 – 1985).

وغادرت عمان بعد تخرجي بسنتين، عام 1985، على نية رجعة قريبة، وشاءت الأقدار أن يطول الغياب، فغبت خمسة وثلاثين عاماً.


أكملت مشوار الجراحة على أرض السعودية، على مقربة من بيت الله الحرام، ومع الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة (إسكتلندا، المملكة المتحدة)، مع رفاق درب التخصص، ومع نخبة من أساتذة الجراحة في مستشفى الملك فهد بجدة، الذي كان المستشفى التعليمي التحويلي الرئيسي لوزارة الصحة في المنطقة الغربية، حيث أمضيت فترة تدريب الجراحة الأساسي في مختلف أقسامها، وكانت سنوات حافلة بالقراءة والدراسة والنشاطات العلمية، والدراسة الطبية تصبح أكثر متعة ونفعاً واحترافاً في مرحلة التخصص الذي نختاره منها في مرحلة البكلوريُس، في أيام طويلة من العمل المضني وسهر الليالي، والمناوبات المزدحمة، المزدحمة حقاً، سجلت في إحداها رقمي القياسي عندما أجريت عشر عمليات استئصال زائدة دودية في ليلة واحدة. مع صحبة عُمر وأيام لا تُنسى مع رفاق درب الجراحة الأعزاء. وحصلت على الزمالة، زمالة الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة آخر عام 1993.

بعد الحصول على الزمالة، تابعت العمل لسنوات في مستشفى الملك فهد اختصاصياُ في الجراحة، بالإضافة إلى نشاطات علمية غامرة؛ تقديم محاضرات في الجراحة للأطباء، ومحاضرات للممرضات في دورات للتمريض، والمشاركة في خطة الطوارئ والكوارث للمستشفى.

تخلل هذه السنوات العمل الطبي في المشاعر في خدمة الحجيج في مواسم الحج، وكان أطباء مستشفانا هم القائمون على تشغيل مستشفى عرفات العام، أحد أهم مستشفيات المشاعر، عملت فيه رئيساً لقسم الجراحة ثم رئيساً لقسم الطوارئ لعدة سنوات، وقمت بكتابة برُتُكول عمل لغرفة الطوارئ.

ومع بدايات الجراحة التنظيرية في التسعينيات، ومع حصولي على الزمالة، بدأت مشوار الجراحة التنظيرية، فكنت أحد أعضاء وحدة الجراحة التنظيرية المتقدمة في مستشفى الملك فهد منذ تأسيسها. وبعد الانتقال من مستشفى الملك فهد عام 1999، انهمكت في دورات متتالية في الجراحة التنظيرية المتقدمة، بداية بدورة كوشيري (أحد أعلام الجراحة والجراحة التنظيرية) في دندي (إسكتلندا)، ثم دورات في الجراحة التنظيرية في الهند، ودورة فافرتي في طوق المعدة في إيطاليا، ودورة في جراحة السمنة في فرنسا، ودورات في جراحة الفتوق.

وتابعت مسيرة الجراحة متنقلاً في أرجاء السعودية بين مكة والطائف والظهران، ثم مكة المكرمة ثانيةً لتكون مسك الختام في مشوار السعودية.

في مستشفى الهَدى العسكري في الطائف (2001 - 2004)، انغمست في التعليم الطبي وكنت مسؤول التعليم لقسم الجراحة العامة، وأعددت وقدّمت سلسلة “مراجعات في الجراحة” مع الأطباء المتدربين للتخصص في الجراحة. وقدمت محاضرات للأطباء مع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في المنطقة الغربية. وشاركت في خطة الطوارئ والكوارث، وفي دراسة غرف العمليات الاستقصائية وكتابة تقرير التطوير، وكنت عضواً في فريق إجراء المسح التجريبي لمعايير المستشفيات لاعتماد اللجنة الدولية المشتركة لاعتماد المستشفيات JCI.

أما سنوات العمل في مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران (2005 - 2012) فقد كانت رحلة علمية ثرية، كنت فيها مدرّباً في نحو عشر دورات في الجراحة التنظيرية المتقدمة، وعضواً في اللجنة المنظّمة للمؤتمر العالمي لمستجدات الجراحة التنظيرية في الظهران عام 2010. كما كنت مسؤول النشاطات التعليمية لطلاب جامعة الملك فيصل بالدمام.

وفي مكة المكرمة، زادها الله تكريماً، عملت مع فريق جراحي رائع ومتميز، في مستشفى النور، زاده الله نوراً (2012 - 2017). وهو مستشفى مكة الرئيسي للطوارئ ولعمل موسم الحج. وضمن النشاط العلمي لمستشفى النور عملت دورات دعم الحياة المتقدم في الرضوح “الإصابات” ATLS، ودورات المعالجة الجراحية المتقدمة للرضوح “الإصابات” ATOM، التي صرت مدرباً فيها. وكنت عضواً في الفريق التعليمي لطلاب طب جامعة أم القرى، وكنت أتمنى أن أقوم بنشاطات علمية وتعليمية أكثر، لولا انشغالي في العمل الطبي الإغاثي في تلك السنوات.

وختام العمل في مكة كان في مركز مكة الطبي (2019 - 2020)، أحد أكبر مستشفيات مكة الخاصة، في العامين الأخيرين، وكانت فترة عمل مزدحم.

وخلال هذه السنوات الطويلة حضرت لقاءات علمية وندوات ومؤتمرات وورشات عمل كثيرة في بلاد شتى.


ومن النشاطات العلمية أيضاً: تقديم دراسة عن تجربة مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران في إجراء ورشات عمل تدريبية في الجراحة التنظيرية، في ندوة لجامعة الملك سعود بالرياض عام 2009. وفي المؤتمر العالمي لمستجدات الجراحة التنظيرية في الظهران عام 2010.

والمشاركة في النشاطات التعليمية لقسم التعليم والتدريب في الرابطة الطبية للمغتربين السوريين “سيما” (2012 - 2020)، وعضو هيئة تحرير “مجلة سيما” (2014 - 2017).

ومتحدّثاً ومنظمّاً ومديراً لدورة “تقني الجراحة” في دورات “تأسيس الكوادر الطبية” التي نظمها قسم التعليم والتدريب في سيما بالتعاون مع اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية (UOSSM) في مركز تدريب باب الهوى عام 2013.

ومتحدثاً في مؤتمر سيما العلمي الأول في إسطنبول عام 2018 عن “إغلاق البطن الصعب”، ومتحدثاً في اليوم العلمي الجراحي الأول الذي نظمه الإتحاد العالمي للجمعيات الطبية الإسلامية “فيما” بالتعاون مع سيما عن “مضاعفات جراحة جدار البطن والفتوق”. ومشاركاً في مؤتمر سيما العلمي الثاني “الرعاية الطبية في المناطق محدودة الموارد” في 2020 في إدارة جلسات تقديم ونقاش الحالات السريرية.

وقدمت ورقة عن بعد في مؤتمر “الطب تحت الحصار” المنعقد في القاهرة 15/12/2023 عن “التجربة السورية في العمل الطبي تحت الحصار والممارسة الطبية مع الموارد القليلة”، وأعمل حالياً على بحث موسع في هذا الموضوع.

وقدمت حديثاً عن “طب وجراحة الحروب” في مؤتمر البلقاء البحثي الطلابي 2024.

وشاركت في نشاطات طبية عن بعد لغزة العزيزة في العامين الأخيرين، مع “الملتقى الطبي الإنساني 3H”: قدمت محاضرات عن الإسعافات الأولية في برنامج التوعية الصحية (1/3/2025)، وقدمت وحدة في برنامج “تدريب الرعاية الطبية الطارئة والمجتمعية للمتطوعين” عن “ارتجال الموارد الصحية” (13/5/2025 نشرت 20/9/2025)، وشاركت في برنامج استشارات في الجراحة عن بعد بالتعاون مع أطباء في غزة (من أول عام 2025).


مشوار الإغاثة الطبية كان في السنوات الخمس عشرة الماضية، بدأ مع الرابطة الطبية للمغتربين السوريين “SEMA” التي كنت عضواً مؤسساً وعضو مجلس الإدارة فيها منذ 2011، ومدير الإدارة الطبية ثم الرئيس التنفيذي لها (2014 – 2017)، وحالياً عضو مجلس الأمناء وعضو اللجنة التأسيسية لوقف سيما.

وأمين سرّ وعضو مجلس الإدارة وعضو لجنة الرضوح (الإصابات) في اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية (UOSSM) ممثلاً لسيما (2013 – 2014).

ومؤسس جمعية الإغاثة الطبية العربية “AMR” في عمان عام 2012، لتقديم الإغاثة الطبية لجرحى الثورة السوريين القادمين إلى الأردن، وللمهاجرين السوريين في المخيمات في الأردن، ومن بعد تقديم الإغاثة الطبية لكل محتاج في كل أرض يذكر فيها اسم الله، وعلى رأسها غزة نصرها الله.

وشاركت في “المؤتمر العالمي الأول عن الانتقال من الإغاثة الطبية إلى إعادة البناء والتنمية في سورية” الذي نظمته الجمعية الطبية الأمريكية السورية “SAMS” بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، وفي مبادرة ومؤتمر “أنقذ حياة” الذي نظمته “مؤسسه الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية راف”، في قطر عام 2016.

وفي العمل الجراحي التطوعي الميداني، العمل الأكثر بركة والأعز عليّ في هذا المشوار، العمل في مستشفيات حلب المحررة أثناء الثورة السورية (2012 – 2016)، والعمل في بعثة طبية إلى غزة مع منظمة “غليا” GLIA في حرب “طوفان الأقصى” الأخيرة 2024، وفي بعثتين طبيتين إلى ملاوي في أفريقيا مع منظمة “أطباء عبر القارات” PAC (2023 – 2024). والعمل مع بعثات طبية عديدة للجمعية السورية الأمريكية الطبية SAMS ومنظمة الأطلسي للإغاثة الإنسانية AHR للمخيمات السورية في الأردن (2023 – 2025).


عدت إلى عمان في النصف الثاني من عام 2020، أيام جائحة الكورونا، بعد غيبة خمسة وثلاثين عاماً في الديار السعودية، مغادراً مكة المكرمة وتارك فيها قطعة من قلبي، ومفارقاً إخوة أحبة عشت معهم شطراً من عمري.

واستقرّ بي المقام في عيادتي الخاصة في عمان، بين مستشفى العيون التخصصي ومستشفى ابن الهيثم حيث أجري عملياتي، على مقربة من مستشفى الجامعة الأردنية الذي بدأت فيه مشوار الطب، وأكلت أروقته وأدراجه قطعاً من أقدامي في أيام خلت.

وبدأت العمل بعد عام ونصف من عودتي في 2022 محاضراً غير متفرغ (بمزايا أستاذ مساعد) في كلية الطب في جامعة البلقاء التطبيقية في السلط الجميلة. استعدت فيها الجو الأكاديمي الذي أعشقه، فأمضيت أوقاتاً ممتعة، ولعلها نافعة، مع طلابي الأعزاء في جامعة البلقاء.

وما زلت أتابع مسيرة الطب والجراحة، فالعلم في تطور لا يتوقف، وعلينا أن نواكب مسيرته.

وثمة أوراق طبية، بحثية وتعليمية وتثقيفية، أشتغل بها، وأسأل الله أن يوفقني إلى إتمامها. وأهمها أبحاث في جراحة الحروب وطب الموارد القليلة والطب الارتجالي، ومقدمات في التعليم الطبي السريري ومبادئ الجراحة، بالإضافة إلى كتابات وأحاديث تثقيفية في الأمراض الجراحية وجراحاتها.


وخارج الطب والجراحة…

أُلَملِم أوراقاً وأفكاراً ورؤىً لعلها تخرج في كتابات تجمع الحصاد الذي خرجت به من هذه السنين؛ ما سميته “ثمرات العمر، ثمرات عقل وقلب”؛ العقلُ الذي ينظر ويفكّر فيخرج برؤية، والقلب الذي يطمئن إلى هذه الرؤية، في سبعة أجزاء، صدر جزؤها الأول وهو الأهم قبل خمسة عشر عاماً:

كتاب “الحقيقة الكبرى القائمة على البرهان”، المنشور على الشبكة عام 2011. ولعله يصدر قريباً في طبعته الثانية في نسخة ورقية.

الحقيقة الكبرى القائمة على البرهان

ولي أيضاً كتاب “صور من الذاكرة مع جدي علي الطنطاوي وخواطر بين يديه” المنشور عام 2019.

وأوراق أخرى مبعثرة تنتظر أن تتجمع في موضوعات متفرقة.

وأخيراً، صفحات “مشوار العمر”؛ ذكريات تنثر حبرها على أوراق قديمة اصفرّت وبلي بعضها، لعلها ترسم صورة العالَم الصغير الذي وعيت عليه في عمان وأنا صغير، وشيء من العالَم الذي وعيته في دمشق. ومشوار الكلية العلمية الإسلامية بين معلمينا الكبار وأصدقاء الصبا والشباب. ومشوار الجامعة الأردنية مع أساتذتنا ورفاقنا في كلية الطب ومستشفى الجامعة الأردنية. ومشوار التخصص في الجراحة الذي بدأته في المستشفى الإسلامي في عمان وأكملته في مستشفى الملك فهد في جدة، مع جراحين كبار وزملاء تشاركت معهم اللقمات والنومات في ليالي عمل لا تنسى، وجلسات علمية تبدأ ولا تنتهي. ومن بعد، مشوار الإغاثة الطبية في الثورة السورية، مع الرابطة الطبية للمغتربين السوريين “سيما” والتاريخ الذي شهدته في هذا المشوار، وأخيراً، قصة جمعية الإغاثة الطبية العربية، بكل صفحاتها، التي لم تنته بعد.


وعلى صعيد الهوى، أحب القراءة، واشتغلت بشيء من الكتابة والتأليف، وأعشق العربية ومهتم بقضايا التعريب، والعلوم الشرعية وتجويد القرآن الكريم، ومهتم بالحاسوب، وأهوى التصوير منذ أيام الصبا.


وما زلت أكمل المشوار، حتى يأخذ الله أمانته، سائلاً ربي العفو وحسن الخاتمة، راجياً رحمته وكرمه وإحسانه أن يدخلنا جنات ونهَر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

توقيع د. مؤمن ديرانية

أبو عبيدة الجراح
د. مؤمن مأمون ديرانية

حُرر بتاريخ ٣١ آذار ٢٠٢٦

    Share:
    الرجوع إلى المنشورات الصفحة الرئيسية

    مقالات شبيهة

    بقية المنشورات »